أحمد بن محمد مسكويه الرازي
تصدير 37
الحكمة الخالدة ( جاويدان خرد )
ومن الناحية الخارجية ، ولو أن الصلح قد عقد مع الروم في سنة 531 ، لكن الموقف كان موقف ترقب لاستئناف القتال ؛ ومن جهة أخرى كان الهياطلة في الجانب الشرقي يهددون إيران باستمرار ، وكانت إيران مضطرة إلى دفع جزية لملكهم . ووجد كسرى الفرصة لاستئناف القتال مع الروم سانحة في نزاع قام بين دولة الغسانيين التي كانت تدين بالولاء للروم ، وبين ملك الحيرة الذي كان في حمى ملك إيران . فنهض كسرى الأول أنوشروان للقتال فاستولى على أنطاكية سنة 540 وهدمها ، وبعد حرب سجال بين الروم والفرس ، عقدت هدنة في سنة 545 . ومن ناحية أخرى استطاع كسرى ( فيما بين سنة 558 وسنة 561 ) أن يقضى على دولة الهياطلة - وكانت هذه قد ضعفت تحت تأثير غارات قبيلة من الترك يقودها سنجبو . ومن ناحية الجنوب مد كسرى ملكه إلى اليمن ، وكانت آنذاك في يد ملك الحبشة . ففي سنة 570 تحالف بهريز ، أحد قواد كسرى ، مع العرب على الحبش وتولى حكم بلاد اليمن ، واختلط باليمنيين هو وجنوده واستقروا في اليمن ، حتى جاء الإسلام ، وعرف أبناؤه وأحفاده باسم « الأبناء » ( أي أبناء الفرس الذين غزوا اليمن بقيادة بهريز ) . ولكن حربا جديدة بين الروم والفرس في سنة 572 قد سودت الأيام الأخيرة لهذا الملك العادل « ذي النفس الخالدة » ؛ فقد اجتاح الروم العراق ، وانتصروا على فارس في معركة ملطية في السهول الممتدة هناك ، ولم ينجح كسرى في النجاة بنفسه إلا بفضل الفيل الذي ركبه واخترق به نهر الفرات . بيد أن القائد الرومي يوستنيان ما لبث أن انهزم ، فعين مكانه القائد موريس الذي أغار على بلاد إيران واستولى على سنجار . هنالك قامت المفاوضات للصلح ، بيد أن كسرى توفى في سنة 579 قبل أن يرى ثمارها . ولقد ذكرنا من قبل أن كسرى قد أصبح النموذج للملك العادل ، وظفر بشهرة هائلة في الأدب الفارسي وفي الأدب العربي المتأثر به . فكان طبيعيا إذا أن تحاط شخصيته بهالة من التمجيد من حيث الحكمة والعقل ، مما نرى له الأمثلة التي لا تحصى في كتاب « التاج » المنسوب إلى الجاحظ « 1 » ، وفي
--> ( 1 ) نشرة أحمد زكى باشا ، ص 62 وما يليها .